المقريزي

898

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

قال القضاعيّ : الخندق ، هو الخندق الذي في شرقي الفسطاط في المقابر . كان الذي أثار حفره مسير مروان بن الحكم إلى مصر ، وذلك في سنة خمس وستين ، وعلى مصر يومئذ عبد الرّحمن بن عقبة بن جحدم الفهري ، من قبل عبد اللّه بن الزّبير - رضي اللّه عنه . فلمّا بلغه مسير مروان إلى مصر ، أعدّ واستعدّ وشاور الجند في أمره . فأشاروا عليه بحفر الخندق ، والذي أشار به عليه ربيعة بن حبيش الصّدفي . فأمر ابن جحدم بإحضار المحاريث « a » من الكور لحفر الخندق على الفسطاط ، فلم يبق قرية من قرى مصر إلّا حضر من أهلها النفر . وكان ابتداء حفره غرّة المحرّم سنة خمس وستين ، فما كان شيء أسرع من فراغهم منه ، حفروه في شهر واحد . وكانت الحرب من ورائه يغدون إليها ويروحون ، فسمّيت تلك الأيّام « أيّام الخندق والتّراويح » لرواحهم إلى القتال . وكانت المعافر « b » أكثر قبائل أهل مصر عددا ، كانوا عشرين ألفا . ونزل مروان عين شمس ، لعشر خلون من شهر ربيع الآخر سنة خمس وستين ، في اثني عشر ألفا ، وقيل عشرين ألفا ، فخرج أهل مصر إلى مروان ، فحاربوه يوما واحدا بعين شمس ، ثم تحاجزوا ، ورجع أهل مصر إلى خندقهم فتحصّنوا به ، وصحبهم جيوش مروان على باب الخندق . فاصطفّ أهل مصر على الخندق ، فكانوا يخرجون إلى أصحاب مروان فيقاتلونهم نوبا نوبا ، وأقاموا على ذلك عشرة أيّام ، ومروان مقيم بعين شمس « 1 » . وكتب مروان إلى شيعته من أهل مصر - كريب بن أبرهة بن الصّبّاح الحميري ، وزياد ابن حناطة التّجيبي ، وعايش « c » بن سعيد المرادي - يقول : إنّكم ضمنتم لي ضمانا لم تقوموا به ، وقد طالت الأيّام والممانعة . فقام كريب وزياد وعايش « c » إلى ابن جحدم ، فقالوا له : أيّها الأمير ، إنّه لا قوام لنا بما ترى ، وقد رأينا أن نسعى في الصّلح بينك وبين مروان ، وقد ملّ الناس الحرب وكرهوها وقد خفنا أن يسلّمك الناس إلى مروان فيكون محكّما فيك . فقال : ومن لي بذلك ؟ فقال كريب : أنا لك به .

--> ( a ) وردت هذه الكلمة في أصل نسخة المؤلف المنقول منها : المواريث ، وكتب النسّاخ فوقها : كذا ، وواضح أنّه سبق قلم ، صوابه ما أثبته . ( b ) بولاق : المغافر . ( c ) بولاق : عابس . - الكتاب - الذي لم يصل إلينا - « الخندق » أو « كتاب الخندق والتّراويح » لأنّ أهل مصر كانوا يقاتلون نوبا ، وهو من مصادر المقريزي . ( فيما تقدم 3 : 545 ) . ( 1 ) الكندي : ولاة مصر 66 .